ⵝⴰⵎⴰⵣⵉⵖⴻⵝ

ⴰⴳⵔⴰⵡ ⵏ ⵉⵛⴰⵡⵉⵢⴻⵏ - Agraw n Ichawiyen - ملتقى الشاوية -
ⴰⵏⵙⵓⴼ ⵉⵙⵡⴻⵏ ⴸⴻⴳ ⴰⴳⵔⴰⵡ ⵏ ⵉⵛⴰⵡⵉⵢⴻⵏ - مرحبا بكم في منتدى الشاوية - vous êtes les bienvenus sur le forum d'ichawiyen -
منتدى ملتقي الشاوية لكل الجزائريين والأمازيغ

    المقاومة الامزيغية عبر التاريخ

    Partagez

    koukou.mazigh

    Messages : 73
    Date d'inscription : 12/04/2012

    المقاومة الامزيغية عبر التاريخ

    Message par koukou.mazigh le Dim 22 Avr - 20:42

    ن مقاومة النوميديين للاحتلال الروماني ظاهرة تاريخية لا يمكن تجاهلها، فلم تهدأ ثورات ثورات التحرير منذ وطأت أقدام الغزاة الرومان فيها( )، ولقد اتخذت تلك المقاومة أشكالا متعددة، وبرزت في صور مختلفة باختلاف الظروف والمعطيات، فاتخذت طابع المواجهة العسكرية على يد يوغرطةJugurtha ضد روما، كما تقمصت شكل المناورات السياسية والمساومات العسكرية، مثلما حدث مع العاهل يوبا الأولJuba I ، ثم برزت أخيرا في صورة المواجهة الشعبية التي اكتست طابع الثورة الجزئية أو الشاملة ضد تغلغل الاستعمار الروماني، كما هو الشأن التي قادها أرابيونArabion ، أو التي اشتهرت بشخصية تاكفاريناس Tacfarinas، وغيرها من الثورات التي قامت ضد التواجد الروماني بالمنطقة.



    - الثورات أثناء الاحتلال الروماني لنوميديا( للقرن الأول قبل الميلاد). 1- ثورة أرابيون: لقد حاول يوليوس قيصرJ. César بعد ضمه لنوميديا خلال سنة 46ق.م أن يشدد قبضته على كامل شمال إفريقيا، إلاّ أنه قتل قبل تجسيد مخططه على أرض الواقع من قبل التحالف الثلاثي العسكري( ).



    ونتيجة لهذه الأحداث ومن جر عنها من فوضى، أدت إلى انتهاز أحد الثائرين النوميديين (الذي عرف بالأمير أرابيون) الفرصة وأعلن الثورة ضد الرومان، فلقد كان أرابيون ابن ماسينيسا الثاني أحد أمراء نوميديا المساعدين للملك يوبا الأولJuba I ، وكان شابا يافعا عندما حصلت المأساة أثناء احتلال المملكة النوميدية بعد هلاك يوبا الأول، وكذلك والده ماسينيسا الثاني، وقد ساهم أرابيونArabion في الدفاع عن نوميديا، لكنه اضطر إلى مغادرة الوطن صحبة أتباع بومبي الذين هزمهم قيصرCésar في إفريقيا، فتراجعوا نحو اسبانيا، وظل الأمير النوميدي هناك في انتظار فرصة العودة إلى نوميديا ليثأر لوالده وبلده( )، وواتته الفرصة عندما تم اغتيال قيصرCésar في روما عام 44ق.م فعاد بصحبة نخبة من رجاله فوجد قومه في انتظاره مما ساعده على القياه بتعبئة عامة، والشروع في مطاردة المحتلين، فقد تمكن من إلحاق الهزيمة بالمرتزقة وقتل



    زعيمهم سيتيوسSitius عام 43ق.م( )، دون أن يفلح في طرده من عاصمة المملكة لشدة تحصنهم بها، لكنه نجح في إبعاد القوات الموريطانية المتواجدة في المدن والقرى النوميديا، فأزاح بذلك قوات الاحتلال عن جزء هام عن نوميديا.



    وحاول أرابيونArabion أن يستفيد من النزاع حاكمي مقاطعتي إفريقيا القديمAfricavitus وإفريقيا الجديدةAfricanova ، متبعا سياسة المناورة والتظاهر لكل منهما بالتأييد والمناصرة، لتجنب الاصطدام بقوة أي منهما، ولكي يتفرغ لقضاء على رجال سيتيوسSitius ، وإبعاد قوات بوخوسBocchus غربا من جهة وفرض نفسه كملك على نوميديا من جهة أخرى، فكان يريد عزل أعداءه المباشرين عن حاكمي المقاطعتين المتنازعتين بإحياء عرش نوميديا( ).



    وهنا نشير أن أرابيونArabion قد أفلح في مهمته على المستوي الداخلي حيث أنه تمكن من استقطاب عناصر الثوار، وتوحيد كلمة الأمراء وشيوخ القبائل، فجند الرجال وأعد الجيش، وتمكن من هزم أعدائه في معارك خاطفة، ويبدو أنه استطاع أن يوقظ الوازع الوطني في نفوس سكان المدن والأرياف على السواء، حيث تحمس سكان المدن للمقاومة، فامتنعت بعض منها مثل زاما ريجيا عن الإصغاء للرومان، الذين لم يتمكنوا من اقتحامها إلا بعد حصار طويل أعجز أهلها عن المقاومة.



    وعلى المستوي الخارجي وفق أرابيونArabion من فرض مكانته بالمنطقة بين الحزبين المتنافسين على السلطة الرومانية في بلاد المغرب،ذلك أن الخلاف بين مجلس السناتوا (مجلس الشيوخ)، والحكومة الثلاثية التي شكلها (أكتافيوس، لبيدوس أنطونيوس)( )، هذا ما أدى بانتقال الخلاف إلى حكام المقاطعتين، ونشب النزاع بينهما فاستغل أرابيونArabion تلك الفرصة ودخل اللعبة السياسية الرومانية، وكان هدفه عزل أعداءه، فضم رأيه إلى حاكم إفريقيا الجديدةAfricanova ظاهريا وتمكن من إجلاء قوات بوخوسBocchus ، كما أنه لم يعلن





    العداء لحاكم إفريقيا القديمةAfricavitus الذي كان على رأسها كورنيفيكيوسQ-Cornificiusكي يتمكن من استعادة مدينة نوميدية تقع على حدود المقاطعة الرومانية المذكورة، فأحي أرابيونArabion لهذه الانتصارات كيان نوميديا( ).



    غير أن الحاكم الرومان سيكتيوسSixitius قد اتضح له أن أرابيون أصبح قوة لا يستهان بها، وأن وطنيته قد تدفع به إلى الانقلاب ضده بعد أن يمتن أركان مملكته التي أحياها وتأكد له ذلك من نواياه المناهضة للوجود الروماني ككل، لذلك قرر سيكتيوسSixitius أن يضع حدا لنشاط هذا الأمير النوميدي قبل أن يستعصى أمره فأوعز باغتياله مدعيا أنه اشتبه في أمره، وأنه تأكد من تعامله مع عدوه حاكم إفريقيا الجديدة فانجونFangon ( ).



    بمقتل أرابيونArabion سنة 40ق.م سقطت شخصية نوميدية أخرى ضحية فشل المناورات السياسية التي خاضها ملوك نوميديا في سبيل الخلاص من العدو عندما يعجزون عن مقاومته، وتضح أن عميلة اغتيال أرابيونArabion لم تكن بسبب شخصيته المشتبه فيها وإنما كانت اغتيالا للحركة الوطنية التي حمل لواءها ذلك النوميدي الجريء( ).



    2- انتفاضة الجيتول والموزولامي: دخلت المقاومة النوميدية بعد اغتيال زعيمها أرابيونArabion مرحلة جديدة، أطلق عليها اصطلاح المقاومة الشعبية نظرا لخلوها من العنصر القيادة البارزة من جهة، ولشموليتها وعفويتها من جهة أخرى، ولقد كان الجيتول يقيمون بالسهول والمراكز الصحراوية في الجنوب وكان الموزولام مستقرين في النواحي الشرقية المجاورة لقالمة وتبسة وفي جبال الأوراس( )، وقد اتضحت مقاومة هؤلاء، وتفاقم خطرها في أعين الرومان خاصة بعد انتهاء الحرب الأهلية (الرومانية) الأخيرة، وتوحيد السلطة في يد أوكتافيوس(أغسطس)، هذا الأخير الذي شرع في خطة استعمارية محكمة حيث وضع شبكة من المستعمرات العسكرية في الأقاليم، وبعد أن تفطن الأهالي اندفعوا لمقاومته حيث تمرد الجيتول ولم يقبلوا بالخضوع للملك الموريطاني يوبا الثانيJuba II وعاثوا في المنطقة فسادا وقتل المتمردون عددا كبيرا من الرومان، وقد اتسع نطاق الثورة جغرافيا فشملت جميع بلاد المغرب حيث انضمت إليها قبائل الموزولامي الأمر الذي أرغم الإمبراطور على إصدار قرار بالتدخل في الوضع للفرقة الرومانية المتواجدة في المقاطعة الإفريقية من أجل وقف زحف الثوار وذلك عامي 22-21ق.م( ).



    وكان تدخل الجيش الروماني شديد الأثر على السكان، لكن شمولية الثورة مكنت من زرع بذور المقاومة في جهات مختلفة من بلاد المغرب، وتعميم الوعي بضرورة مواجهة التواجد الروماني حتى عند القبائل الصحراوية، وكانت قبائل الجيتول أكثر المجموعات البشرية مضايقة للرومان، وأمتنها عودا، وقد اشتدت انتفاضة الجيتوليين وغيرهم ضد الرومان في عهد الإمبراطور تيبريوسTiberius 14م خاصة وأن هذا الأخير كان قد توغل بالحدود الرومانية جنوبا فضمت أجزاء من أراضي الجيتول ومنها معظم أراضي الموزولامي الأوراسية.



    ويتجلى أن الحرب كانت شديدة بين القوات الرومانية، وقبائل الجيتول إلى درجة أن إحراز انتصار على هذه القبائل كان يبوء صاحبه مجدا كبيرا، ويجعله أهلا للقب الشرفي، ومن ذلك أن البروقنصل كرنيليوس لانتلوس كان يلقب بالجيتولي تكريما له على بانتصاره عليهم عام 6م والواقع أن تلك الحملات التي كانت تشنها روما ضد المقاومة الشعبية لم تكن قادرة على تحقيق أهدافها النهائية، لأنها كانت متواصلة بالرغم من الانتصارات التي كانت تحققها روما ضدها ذلك أن حرب العصابات اليومية بقيت إحدى أساليب المقاومة الشعبية، خاصة في المناطق التي كان الأمن متعذرا فيها مثل المناطق الداخلية وعبر الطرق والمسالك( ).









    - ثورة تاكفاريناس(خلال القرن الأول الميلادي): استقبل النوميديون تتويج تيبريوسTiberius إمبراطورا عاما بروما عام 14م بانتفاضات عديدة كانت أخطرها الثورة التي اشتهرت باسم قائدها تاكفاريناسTacfarinas ، الذي نظم المقاومة واكتسب شعبية كبيرة، وأصبح زعيما ثوريا ينطق باسم الثائرين ويعبر عن إرادة الأهالي في المطالبة لحقوقهم من الإمبراطور الروماني( ).



    1- أسباب ثورة تاكفاريناسTacfarinas : تعد أسباب هذه الثورة محل خلاف ونقاش بين المؤرخين، وحسب بعضهم فإن هذه الثورة كانت ضد الاستيطان الروماني في بلاد المغرب وضد سياستهم التوسعية وتوافق راشيRachet ( ) ذلك حيث ترى أن الرومان استولوا على أجود الأراضي في بلاد المغرب، وحرم الأهالي منها حيث طردوا إلى المناطق الجبلية الصعبة وغير الصالحة للزراعة لذلك رأى الأهالي أن الخطر الروماني ظل يبتلع أراضيهم شيئا فشيئا أي أنها ترجع إلى بداية شق الليمس الروماني الذي ربط بين خليج السيرت شرقا ومعسكر حيدرة بالقرب من تبسة غربا وما ترتب عنه من حد لحرية قبائل الموزولامي، بينما يرجع كانياCagnat ( ) سبب هذه الثورة إلى طبيعة الإنسان المغربي القديم في هذه المناطق البعيدة عن التأثيرات الخارجية وتمسكها بالحرية.



    فلم يكن أمام الأهالي إلاّ أحد الأمرين، إما الخضوع للرومان، وإما المقاومة، فاختاروا الأمر الثاني وقاموا بثورة تزعمها شاب نوميدي يدعى تاكفاريناس، وكان قد عمل جنديا في الفرق المساعدة للجيش الروماني، ثم فر مع عدد من رفاقه، وعاد إلى نوميديا، وشرع في تجميع أعوان له في تجمعات عسكرية( ).





    2- مرحلة الاندلاع (17م-20م): سرعان ما تمكنت فبائل الموزولامي من جر قبائل المور للانضمام إليها في الحرب ضد الرومان، و كان زعيم المور يدعي مازيباMazippa ، وهكذا تكون من الشعبين جيش متحد انقسم إلى قسمين: جنود مسلحون مجتمعون في معسكر على غرار النمط الروماني، وألزموا بالنظام وطاعة الأوامر، وكانوا تحت قيادة تاكفاريناس Tacfarinas وقوات خفيفة كانت تقوم بإشعال الحرائق، والقيام بالمذابح، وبث الذعر تحت قيادة مازيبا Mazippa( )، وكما انضم إليهم الكنثيون( )، وقد تجمعت هذه القوات المتحالفة من قبائل الشمال الإفريقي للدخول في مواجهة مع القوات الرومانية في ولاية إفريقيا الرومانية، وكان قائد القوات الرومانية في تلك المعركة هو فوريوس كاميلوس، الذي جمع فرقته والفرق المساعدة تحت قيادته بصفته بروقنصل ولاية إفريقيا، وتوجه بقواته لمواجهة الثائرين، وقد كانت قواته قليلة العدد بالمقارنة بحشود النوميديين والموريين، ولكن يبدو أن هذا القائد الروماني كان وثقا من قدراته وقدرات قواته حتى أنّ الشيء الذي كان يخشاه هو أن تتجنب القبائل الثائرة مواجهة قواته خوفا وفزعا منها، ولكن يذكر تاكتيوس Tacite أن الأمل الذي كان يراود هذه القبائل في تحقيق النصر هو الذي ألحق بهم الهزيمة( ).



    قام فوريوس كاميللوس بتنظيم قواته، بحيث جعل الفرقة الرومانية في المركز ووضع السرايا الخفيفة وفصائل الفرسان على الأجنحة، أما تاكفاريناسTacfarinas فإنه قبل التحدي وأقبل على المواجهة، ولكن كانت النتيجة كما أشار تاكتيوس Tacite هزيمة النوميديين، واندحارهم وإشادة الإمبراطور شخصيا، وكذلك مجلس السناتو بإنجازات القائد الروماني المنتصر وتكريمه بإشارات النصر( ).



    هذا ما حدث عام 17م، ولكن فيما يبدو لم يكن الانتصار الروماني على تاكفاريناسTacfarinas وحلفائه حاسما بدليل أن هذا الثائر عاود في العام التالي هجماته على القوات الرومانية في ولاية إفريقيا، إذ كانت قوات تاكفاريناسTacfarinas تقوم بهجمات سريعة مباغتة لا يمكن التصدي لها، كما كانت تقوم أحيانا بتدمير القرى الواقعة في نطاق الحماية الرومانية والحصول على غنائم كبيرة( ).



    وبذلك نقول أن تاكفاريناسTacfarinas اتبع هذه المرة حرب العصابات ضد الرومان بعدما فشل في المواجهة النظامية الأولى، وفي إطار هذه الهجمات القوية المباغتة قام تاكفاريناس وقواته بتطويق كتيبة رومانية قرب أحد الأنهار المحلية، وعزّ على قائد الكتيبة الرومانية الذي يدعى ديكريوس أن يحاصره محاربو القبائل وشعر بالاهانة لذلك، فاندفع لملاقاة خصومه فلقيت قواته



    هزيمة كبيرة، وأخذت تولي الأدبار فرارا من النوميديين، ولما حاول القائد ديكريوس منع جنوده من الهرب فتعرض لوابل من السهام فلقي حتفه( ).



    هذه الواقعة تدل على الثقة المفرطة في النفس والتي تصل إلى حد الغرور من جانب القوات الرومانية وقائدها، التي جعلتها تهون من شأن القوات النوميدية ولا تأخذ حذرها مما جعلها تلقى هزيمة كبرى، ويلقى قائد الكتيبة حتفه، ويولي الأدبار من أفلت من القتل من جنوده، كما يشير هذا الموقف إلى حسن التنظيم والاستعداد والروح العالية من جانب تاكفاريناسTacfarinas وقواته، وتجنبها للمعارك لنظامية ضد القوات الرومانية لتفوق الأخيرة في مثل هذه المعارك.



    لكن هذا الموقف المأساوي الذي تعرضت له الكتيبة الرومانية أثار ثائرة الحاكم الروماني لولاية إفريقيا عام 18م وهو لوكيوس أبرونيوسL-Auprinius ( )، الذي ألزم قوات الحاميات الرومانية في ولاية إفريقيا لبعض الوقت بالتزام أقصى درجاي الحذر واليقظة، والدليل أنه بعد الواقعة المذكورة سالفاً هاجم تاكفاريناس وجنوده حصن ثالا Thala بتونس الحالية( )، فقام المحاربين القدامى الرومان (لا يزيد عددهم عن خمسمائة) بالتصدي لقوات تاكفاريناس ودحرها، ورغم ذاك واصلت القوات النوميدية بزعامة تاكفاريناس حرب العصابات (الكر والفر) ضد الرومان، واقتربت ذات مرة من الساحل وهو محمل وقواته بالغنائم، ومر بالقرب من معسكر روماني فتعقبه قائد المعسكر الروماني ومن معه من النوميديين المحملين بالغنائم، وطاردهم حتى حدود الصحراء مطاردة ناجحة بقواته من الفرسان والقوات المساعدة، ويشير تاكتيوس إلى فعالية وأهمية حرب العصابات التي انتهجها تاكفاريناس، بحيث أرهقت الرومان، وأبطلت فعاليتهم وتلاعبت بهم( ).



    3- مرحلة القوة والاتساع(20م-23م): كانت هذه المواجهات غير فعالة ولم تحسم الأمر بين الرومان وتاكفاريناس، وكان زمام المبادرة فيها دوما في يد تاكفاريناسTacfarinas ، وكان الموقف الروماني دفاعياً كرد فعل



    لهجمات ومناوشات هذا الثائر وقواته، هذه الهجمات غير النظامية من قبل قوات تاكفاريناسTacfarinas لا شك أنها كانت تلحق أضراراً متفاوتة بالرومان، قصارى ما كان يفعله الرومان هو ملاحقة القوات المهاجمة حتى تخوم الصحراء، حيث تستطيع هذه القوات أن تتوارى عن أعين الرومان في مجاهل الصحراء التي يعرفها أهلها جيداً، ثم يعاودون الكرة من جديد، وتجددت هجمات القبائل النوميدية والموريطانيا بزعامة تاكفاريناسTacfarinas ، ويبدو أنها تصاعدت بصورة دعت الإمبراطور تيبريوس نفسه إلى إرسال خطاب إلى مجلس السناتو بشأن تعرض ولاية إفريقيا مرة أخرى لهجمات ومضايقات من طرف تاكفاريناس وقواته وجاء أنه على شيوخ السناتو أن يحزموا أمرهم ويختاروا بروقنصلاً ذا خبرة عسكرية ولياقة جسمانية عالية لشن حملة ضد تاكفاريناسTacfarinas ، وعين بلايسوسBlaesus بروقنصلاً من قبل مجلس السناتو الذي كان أحد المقربين من الإمبراطور تيبريوسTiberius ( ).



    عاود تاكفاريناسTacfarinas تجميع قواته من جديد في قلب ولاية إفريقيا استعداداً لتوجيه ضربات جديدة للرومان، بل ويبدو أنه وصل باستعداده إلى درجة عالية من الثقة بالنفس، حتى أنه أرسل سفارة إلى الإمبراطور تيبريوس يطالبه من خلالها بتسوية الوضع، وهدد الإمبراطور بأن البديل في حالة عدم الاستجابة بالتسوية هو حرب لا منجاة منها، وقد استشاط الإمبراطور





    تيبريوس غضباً من هذه التصرفات واعتبرها وقاحة وإهانة فاقت كل الحدود، وليس لها مثيل من قبل( ).



    فأسند الإمبراطور تيبريوس أمر القضاء على تاكفاريناسTacfarinas إلى والي إفريقيا الجديد بلايسوس( )، وقد حاول هذا الحاكم اللجوء إلى الحيلة والخديعة لمواجهة تاكفاريناسTacfarinas ، فحاول أن يغري الثوار من أنصاره، ويقنعهم بإغماد سيوفهم دون أن ينالهم آذى، وأن يعملوا على إلقاء القبض على زعيمهم تاكفاريناس بأي وسيلة كانت، ويذكر تاكتيوس( ) أن الكثير من أنصار تاكفاريناس قد تراجعوا عن تأيده بمقتضى هذا العفو الذي منحه إياهم الحاكم الروماني، وهنا بدأ بلايسوس في محاربة تاكفاريناس بأساليب ووسائل مماثلة لطرقه في القتال.



    وقد لاحظ الرومان أن تاكفاريناسTacfarinas لم يكن نداً لهم في الحروب النظامية، ولكنه أكثر منهم خبرة ودراية في الخداع والحيل القتالية (حرب العصابات) إذ كان يقوم بالهجمات بمجموعات قتالية عديدة سرعان ما تولي الأدبار بعد أداء مهامها، كما كان يقوم بالمناورات وكمائن عديدة، لذلك رتب القائد الروماني نفسه لشن ثلاث هجمات متقدمة تنفذها ثلاث صفوف من الجند، وقد جعل على رأس كل مجموعة من المجموعات الثلاثية أحد القادة، وتتولي حماية مناطق ولاية إفريقيا من هجمات تاكفاريناسTacfarinas ورجاله، إذ جعل جزءاً من القوات تحت قيادة كورنيليوس سكيبيو، يقوم بتأمين وحماية شرق الولاية في لبدة وفزان من هجمات تاكفاريناسTacfarinas ، وجزء آخر بقيادة بلايسوس الأصغر لحماية قري وضواحي مدينة سيرتا من جهة الغرب من النهب والسلب، وفي المنتصف تمركزت أفضل القوات بقيادة حاكم الولاية نفسه الذي حصن الأماكن الحيوية، حيث جعل كل مناطق قلب الولاية أماكن خطرة لا يستطيع رجال تاكفاريناسTacfarinas اختراقها( ).



    وهكذا ضيق بلايسوس الخناق على تاكفاريناس ورجاله ولم يترك لهم مساحات خالية في الولاية يمارسون فيها هجماتهم المتكررة، فحيثما اتجهوا كانوا يجدون جزءاً من القوات الرومانية في مواجهتهم،وهكذا سقط العديد من النوميديين قتلى أو أسرى في أيدي القوات الرومانية، حيث قسم الوالي الروماني جيشه إلى وحدات أصغر تتألف من سرايا يترأس كل منها قائد مشهود له بالكفاءة والشجاعة، وظلت هذه القوات في مكانها على مدار العام، ولم يسمح لها بقضاء فصل الشتاء في معسكراتها الشتوية في ولاية إفريقيا القديمةAfricavitus ( )، كما جرت العادة منن قبل وظلت القوات الرومانية في الولاية في حالة التأهب القصوى، كما لو كانت على وشك الدخول في حملة عسكرية وأعد قائد الولاية سلسلة من معسكراته وجهزها، وبعث بصفوف من ذوي الخبرة إلى الصحاري الإفريقية يرتادونها ويجوبونها للإيقاع بتاكفاريناس، والسعي وراءه من مكان إلى أخر، وظل الحال على هذا المنوال إلى أن تمكنت هذه القوات من أسر أخ لتاكفاريناس وهنا عاد الوالي وترك من يستطيع مواصلة وإحياء الحرب ضد تاكفاريناس، واعتبر تيبريوس أن الحرب مع تاكفاريناس قد انتهت عند هذا الحد، بل وسمح لبلايسوس أن يناديه ويحييه وقواده بلقب الإمبراطور، وهو لقب كان يهتف به الجيش المنتصر منذ أيام الجمهورية تحية لقائده حين يحرز انتصارا كبيرا، وقد منح الإمبراطور تيبريوس هذا اللقب لقائده حاكم ولاية إفريقيا بلايسوس للمرة الأخيرة( ).



    يتضح لنا مما سبق أن ما فعله البروقنصل بلايسوس حاكم ولاية إفريقيا بتكليف من الإمبراطور تيبريوس لم يكن إستراتيجية طويلة الأمد للقضاء على تاكفاريناس بقدر ما كان استعراضا للقوة الرومانية، ونشرها في كافة أنحاء الولاية كعامل ردع للثائر النوميدي حتى لا يجرأ على الإغارة من جديد على مناطق الولاية، لكن ذلك كان استعراضا مؤقتا لم يستمر إذ تراجع بعد فترة من التأهب، خاصة بعد تكريم الإمبراطور للقائد بلايسوس، ولعل تاكتيوس قد أصاب



    جزئيا حين ذكر بأن القادة الرومان الذين واجهوا تاكفاريناس حتى ذلك الحين كانوا يكتفون بمواجهة هذا الثائر، بما يؤهلهم للحصول على التكريم الخاص للقادة المنتصرين( ).



    وهكذا تمكن تاكفاريناس من الصمود رغم ملاحقة القادة الرومان له( )، لكن لعله لم يصب في تقديره على طول الحظ، إذ ليس من المنطقي ألا يحاول أحد هؤلاء القادة نيل شرف القضاء على هذا الثائر، وتخليص الإمبراطورية من هجماته المستمرة وبالتالي يحظى هذا القائد بقدر أكبر وأعظم من التكريم والتشريف، المقصود أن الأمر لم يكن مرتبطا تماما برغبة هؤلاء القائد في القضاء على تاكفاريناس، ولكن الأمر كان مرتبطا بمدى قدرة هؤلاء على تحقيق ذلك، والتي أثبتت فشلها في ملاحقة هذا الثائر المناور المراوغ الذي يجيد التخفي والكر والفر في أرجاء بلاده التي يعرفها حق المعرفة( ).



    ونتيجة لكل ما سبق عاود تاكفاريناسTacfarinas تجميع قواته والإغارة على مناطق الرومان في الولاية، كما انضمت إليه عناصر قوة إضافية شجعته على المضي في طريق مكافحة



    الوجود الروماني، هذه العناصر تمثلت في وقوف ملك الموريطانيين الجديد بطليموس بن يوبا الثاني (23م- 40م) الذي سعى حسب قول تاكتيوس إلى تغيير وضع أسرته الحاكمة من خلال الحرب في صف الثائر النوميدي تاكفاريناس، كما يضاف إلى هذه العناصر انضمام زعيم قبائل الغرامنتGaramantes (في فزان) الذي كان حليفا لتاكفاريناس في هجماته على الرومان حيث كان يمده بقوات كبيرة العدد نسبيا بالمقارنة مع المسافة التي تفصل بينهما، كما كان يتسلم ما يحصل عليه تاكفاريناس من الغنائم من الرومان( ).



    كما انضم إليه من أهل ولاية إفريقيا كل المقهورين والمشاكسين حسب تعبير تاكتيوس( ) الذين سارعوا بالانضواء تحت لوائه، لاسيما وأن الإمبراطور تيبريوس قد اعتبر أمر تاكفاريناس منتهيا بعد الانتصار الذي أحرزه بلايسوس عليه، وقام بسحب الفرقة الرومانية التاسعة من إفريقيا ولم يجرأ الوالي دولابيلا Dolabella بالاعتراض على ذلك.





    4- مرحلة الانحصار والقضاء على تاكفاريناس24م: هذه الظروف حدثت خلال عامي 23م و 24م،وفي العام الأخير وصلت إلى مسامع تاكفاريناس أنباء مشجعة مفادها أن أمما أخرى كانت تعمل على تمزيق الإمبراطورية الرومانية، مما دفع هذه الأخيرة إلى استدعائها من إفريقيا تدريجيا للقوات الرومانية، وعلى ذلك زود تاكفاريناس رصيده من الجنود، وأقام معسكرا وطوق بلدة ثوبوسكومThubuscum ، وفي المقابل قام هذا الوالي الروماني لإفريقيا في ذلك العام باللجوء إلى إجراءات متعددة لمواجهة هذا الموقف الصعب إذ حشد كل ما لديه من جند، واستغل رهبة اسم روما في النفوذ وضعف كفاءة النوميديين في خوض الحروب النظامية ومعارك الفيالق الرومانية، ورفع الحصار عن المدينة المحاصرة بعد أول هجوم قام به، كما حصن كافة المواقع الإستراتيجية( ).



    ومن ناحية أخرى قام دولابيلاDolabella بمحاولات لإضعاف التحالف الذي كونه تاكفاريناس، حيث أعدم قادة وزعماء الموزولامي (قبيلة تاكفاريناس من النوميديين) الذين كانوا يتزعمون التمرد والثورة ضد الحكم الروماني، كما أن كثرة المعارك ضد تاكفاريناس قد علمت الرومان أنه من غير الممكن تعقب مثل هذا العدو المراوغ، وتضييق الخناق عليه من خلال هجوم واحد للقوات الثقيلة، فضم الحاكم الروماني إليه بطليموس ملك موريطانيا والمواليين له، وأعد أربعة من الاحتياطيين، وكان حاكم الولاية دولابيلا Dolabella نفسه مشرفا أو منسقا بين هؤلاء جميعا.



    نفهم من ذلك أن الحاكم الروماني حاول أن يجرد تاكفاريناس من عدد كبير من حلفائه ومصدر قوته، حتى يضعف من موقفه قبل المواجهة الحاسمة معه، خاصة أقوى وأشد حلفائه من الأقربين (الموزولامي)، فإعدام زعمائهم لا شك أنه أثر إلى حد كبير في تاكفاريناس وأتباعه وكذلك حليفه المجاور الملك بطليموس ملك موريطانيا، الذي كان ينوي الوقوف إلى جانبه، فأثناه القائد الروماني عن موقفه بالقوة( ).



    بعد هذه الإرهاصات والمقدمات لمعركة وشيكة بين الطرفين الروماني والنوميدي وصلت أخبار إلى الرومان مفادها أن النوميديين قد نصبوا خيامهم قرب قلعة نصف مدمرة في موقع يدعى



    أوزيا (سور الغزلان) كانوا على ثقة بموقعهم الذي كانت تحيط به غابات هائلة( )، وبناءاً على هذه المعلومات انطلقت كتائب المشاة الخفيفة الرومانية وسرايا الفرسان بأقصى سرعتها، ومع خيوط الفجر الأولي باغتت القوات الرومانية النوميديين وهم بين اليقظة والمنام بهتافات تصم الأذان وأبواق النفير، وذلك الوقت كانت خيول النوميديين إما مربوطة أو منطلقة في المراعي البعيدة، أما عن الجانب الروماني، فإن المشاة كانت متراصة ومتكتلة، كما توزعت سرايا الفرسان، واكتملت كافة الاستعدادات للمعركة، في حين كان النوميديون على النقيض من ذلك، فلا نظام ولا استعداد ولا خطة لديهم، بل سيقوا إلى الذبح أو الأسر كما تساق الماشية حسب وصف تاكتيوس، ويصف لنا كذلك الروح الانتقامية والثأرية التي كان يحارب بها الجنود الرومان ضد النوميديين في هذا الموقف المفاجئ، إذ أن الجنود الرومان كانوا يحاربون وفي ذاكرتهم المصاعب التي واجهوها أمام هذا العدو المراوغ، وصدرت تعليمات إلى فصائل الجند الروماني أن عليهم جميعاً أن يكرسوا كل جهدهم لتعقب تاكفاريناسTacfarinas ، وأن الحرب لن تتوقف أو تهدأ إلا بمقتل ذلك الزعيم.



    وقد تقطعت كل السبل أمام القائد وحراسه، وصفد ابنه بالأغلال، وتدافع الرومان نحو تاكفاريناس من كل صوب، فاندفع هو في اتجاه السهام، وأفلت من الأسر لكنه قتل دون أن يجد من يثأر له( )، وهذه المعركة التي نال شرفها أحد أبناء جلدته، وهو الملك الموريطاني بطليموس( ) وذلك نظراً للجهود التي بذلها في هذه الثورة لصالح الرومان حيث تحصل على لقب الملك الصديق وحليف الشعب الروماني( ).



    وهكذا انتهت ملحمة ذلك البطل الموزولامي الأوراسي النوميدي ، فترتب عن هذا أن زاد الرومان في إجراءاتهم التعسفية، وقاموا بمد حدودهم، ومصادرة أراضي الأهالي، وساد نوميديا هدوءاً نسبي عقب هذه الأحداث الدامية.





    ونخلص في الأخير من كل ما سبق إلى أن تاكفاريناسTacfarinas كان لا يقل شجاعة وحنكة عن سلفه يوغرطةJugurtha ، إلا أن إمكانيات العدو الروماني وخططه الإستراتيجية الهادفة إلى ابتلاع المنطقة، وجعل البحر الأبيض المتوسط بحيرة رومانية، كانت أقوى من طموحات ثائرنا الذي قضي سبع سنوات يحارب الرومان بكل شجاعة( )



    http://e-markit.info/

    لتحميل الكتاب

    [b][i]

      La date/heure actuelle est Sam 3 Déc - 20:40